الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

286

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عمرو بن كلثوم : « مرادة طحونا » . [ 57 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 57 ] نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أعقب إبطال نفيهم البعث بالاستدلال على إمكانه وتقريب كيفية الإعادة التي أحالوها فاستدل على إمكان إعادة الخلق بأن اللّه خلقهم أول مرة فلا يبعد أن يعيد خلقهم ، قال تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] لأنهم لم يكونوا ينكرون ذلك ، وليس المقصود إثبات أن اللّه خلقهم . وهذا الكلام يجوز أن يكون من تمام ما أمر بأن يقوله لهم ، ويجوز أن يكون استئنافا مستقلا . والخطاب على كلا الوجهين موجّه للسامعين فليس في ضمير خَلَقْناكُمْ التفات . وتقدم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة تقوّي الحكم ردّا على إحالتهم أن يكون اللّه قادرا على إعادة خلقهم بعد فناء معظم أجسادهم حين يكونون ترابا وعظاما ، فهذا تذكير لهم بما ذهلوا عنه بأن اللّه هو خلقهم أول مرة وهو الذي يعيد خلقهم ثاني مرة ، فإنهم وإن كانوا يعلمون أن اللّه خلقهم لمّا لم يجروا على موجب ذلك العلم بإحالتهم إعادة الخلق نزلوا منزلة من يشك في أن اللّه خلقهم ، فالمقصود بتقوّي الحكم الإفضاء إلى ما سيفرع عنه من قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ إلى قوله : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ [ الواقعة : 58 - 61 ] . ونظير هذه الآية في نسج نظمها والترتيب عليها قوله تعالى : نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا في سورة الإنسان [ 28 ] . وموقعها استدلال وعلة لمضمون جملة إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ [ الواقعة : 49 ، 50 ] ولذلك لم تعطف . وفرع على هذا التذكير تحضيضهم على التصديق ، أي بالخلق الثاني وهو البعث فإن ذلك هو الذي لم يصدقوا به . [ 58 ، 59 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 58 إلى 59 ] أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) تفريع على نَحْنُ خَلَقْناكُمْ [ الواقعة : 57 ] ، أي خلقناكم الخلق الذي لم تروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة الخلق تشبه ابتداء الخلق .